الخميس، 14 فبراير، 2013

اللقاء اليساري: دماء بلعيد تضيء طريق الثورة

اغتالت يد الغدر والظلامية، المناضل التونسي الجسور شكري بلعيد، المدافع أبداً عن الحق والحقيقة، الأمين العام للتيار الوطني الديمقراطي، والعضو المؤسس البارز في الجبهة الشعبية التونسية.
ولا تعرف سوى العنف الأسود تلك الظلامية التي ابتلي بها وطننا العربي، بتمويل من الرجعية السعودية والقطرية، وبرعاية من الغرب الإمبريالي الذي يشعر أن الأرض تميد تحت أقدامه، بعد أن هندس منذ عقود الهجمة الظلامية التكفيرية على كل ما هو متحضر في الوطن العربي، بل وخارج حدوده.,
لم يحابِ اليساري الشجاع النظام التونسي في أوج استبداده عندما كان يضطهد الإسلاميين، ولم يسكت عن تلفيقاتهم السياسية والتاريخية عندما دفعتهم سني تجريف الوعي الجماهيري والبترودولار ومؤامرات الأجهزة الاستخبارية الغربية والعربية إلى واجهة المشهد السياسي، في أكثر من بلد عربي.
ظل يحمل الراية، ليقول لا لاستبداد العسكر الذي مثَّله بن علي، ويقول لا لاستبداد الظلاميين القتلة باسم الحق الإلهي؛ وكان يعلم أن الكلمة مقدسة، فلم يتاجر بها أو يعهِّرها على طريقة محمد مرسي، علّ ذلك يخدع الناس بعض الوقت. وكان يعلم أن الثورة التي كان البوعزيزي شرارتها لا تُسلم قيادها للثوار الحقيقيين إلا بالتضحيات، وأن الطريق طويل وشاق. ولكنه لم يتوان للحظة عن قول الحقيقة، على رؤوس الأشهاد.
إن الملايين التي خرجت لتودع شكري بلعيد وتبكيه وترفع رايته تعلم أن اسقاط عميل بربطة عنق، ليحل محله عميل بلحية ، لا يساوي ثورة. وأن أمامها طريقاً وعراً عليها أن تسلكه، لأن مجرمي الحرب والإبادة الجماعية في واشنطون وباريس ولندن، وأقزامهم من العربان، وخصوصاً في نجد وقطر، لن يستسلموا بسهولة، ولن تتوقف أيديهم عن القتل إلا إذا كُسرت. فالديناصور الرأسمالي يفقد عقله، وهو مستعد لتدمير العالم، إن استطاع، قبل أن يلفظ أنفاسه ويترك العالم للشعوب لتعيش بكرامة ودون تناحر. ومن خرجوا ليحملوا شكري بلعيد على الأكتاف باتوا يعلمون أن كل اللغو الليبرالي الذي كرهه شكري بلعيد، وكل تلفيق بأن 'الإسلام هو الحل'، لم يعد مقنعاً لأحد يحترم عقله. وأن الاشتراكية، التي ظلت مشعل بلعيد ولغته، هي الطريق.

المجد للمناضل التونسي الجسور شكري بلعيد!
ولمناضلي اليسار التونسي، رفاق شكري بلعيد، والشعب التونسي الشقيق، كل إجلال!

المشهد الأردني ما بعد الانتخابات


عصام التل


قبل محاولة قراءة الحالة الأردنية فيما آلت إليه الأمور عقب انتخابات برلمانية خاضتها قوى النظام في مواجهة تحديات لا يستهان بها، لا بد من إلقاء نظره على ما أراده النظام منها قبل كل شيء.
فأولاً، جاءت الانتخابات عقب قرابة السنتين من الانتفاضات ومشاريع الثورات والثورات المضادة على مساحة العالم العربي، وعقب حراك جماهيري غير مسبوق في الأردن من حيث استمراريته، ومشاركة قوى اجتماعية خارج النادي السياسي التقليدي، تجاوزته في معظم الأحيان. ما أشعر النظام بأن اللعبة السياسية التي استطاع أن يعود ليمسك بخيوطها بإحكام بعد هبة نيسان 1989، من خلال ترخيص الأحزاب والإيهام بتحسين شروط حرية التعبير، قد أفلتت من يده. وهنا كان لا بد من إعادة الجني إلى القمقم.
وثانياً، وبالعلاقة مع ذلك، أدى تمكن "الإسلام السياسي"، وعلى وجه الخصوص "الإخوان المسلمين"، بدعم وتمويل من قطر والسعودية، وبمباركة إمبريالية، أميركية بالدرجة الأولى، من الهيمنة على المشهد في تونس ومصر وليبيا، وتهديده للدولة السورية، على خلفية تبلور حلف تركي- خليجي مدعوم من الغرب، إلى بروز "الإخوان المسلمين" في الأردن كقوة مهددة للترتيب السابق، حيث كانوا يكتفون بأن يكونوا الشريك الأصغر للبيروقراطية الأردنية، والرديف لها، في إدارة المجتمع إيديولوجياً والتغطية على برنامج النظام الاجتماعي- الاقتصادي، وخاصة مع تراجع الدور الريعي للدولة وهيمنة اقتصاد السوق، وخصخصة قطاع الدولة، وانتشار الفساد بشكل غير مسبوق، ما دفع "الإخوان" إلى المطالبة بحصة أكبر في الحكم، مستندين إلى التنظيم الدولي، وإلى انحسار القبضة الإمبريالية الأميركية، عقب ما تلقته من ضربات في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى عديدة، واضطرارها إلى إخلاء المنطقة عسكرياً ولملمة وضعها ليحل محلها حلف رجعي عربي- تركي لسد الفراغ في مواجهة الشعوب العربية المتمردة والإرهاصات الثورية.
وثالثاً، أراد النظام، في هذا السياق، وأمام مطالبات أميركية وأوروبية، تعكس ضغوطاً صهيونية، الاستجابة ولو جزئياً لشرط إدماج الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية، الذين يشكلون نحو 42% وفق الإحصاءات الرسمية، في اللعبة السياسية الأردنية، مع حرصه على أن يبقى ذلك في الحدود التي لا تهدده، ولا تدفع نحو المزيد من انفكاك قاعدته الشرق أردنية عنه، التي أصبح شعورها بالتهميش الاقتصادي وبفقدان مكتسباتها الاجتماعية بسبب تراجع الدول الخيري للدولة مع برامج التصحيح الاقتصادي والخصخصة، وحساسيتها تجاه مسألة "الوطن البديل"، القائم بحكم الأمر الواقع (de facto)، ومخاوفها من أن يتحول إلى وضع قانوني (de jure)، وما تتحدث عنه المعلومات الرسمية من ضغوط لتجنيس 1,100,000 فلسطيني لا يحملون الجنسية الأردنية ويعيشون في الأردن، إضافة إلى قرابة 400,000 غزي، على جدول أعمالها تحت عنوان "الوطنية الأردنية"، فراحت تتسع قاعدتها لتشمل قسطاً لا يستهان به من البيروقراطية والأجهزة الأردنية، بما فيها الجيش.
على هذه الخلفية، وأمام تصاعد الحراك الشعبي، الذي وصل ذروته في هبة تشرين واضطر حتى "الإخوان المسلمون"، الذين كانوا يحاولون توظيفه لتحسين شروطهم التفاوضية مع النظام، إلى التنصل من شعاراته، كان لا بد من إجراء الانتخابات ومحاولة تحويل مجرى الحوار الاجتماعي نحو سقوف قابلة للضبط والتحكم. وجرت هندسة الانتخابات على نحو مكَّن النظام من احتواء قسط كبير من القوى ذاتها التي هبت ضده، وبصورة خاصة في المحافظات والأوساط الشعبية الأردنية. وبدا للوهلة الأولى وكأنه قد أحسن إدارة أزمته، وتحويل الأنظار عن إجراءات التقشف التي اتخذتها حكومة النسور، وربما ما سيتخذ من إجراءات قريباً برفع أسعار الماء والكهرباء وباقي السلع والخدمات الأساسية.
فهل نجح النظام حقيقة في توفير شروط التقاط أنفاسه طويلاً؟
الجواب: نعم ولا!
فقد تمكن من إرضاء الحلفاء الغربيين، وبالتالي النفطيين، جزئياً بإجراء انتخابات بينت أنه لا حاجة في الوقت الراهن لتغييرات تجميلية في النظام، بما في ذلك البحث عن بدلاء داخل القصر. كما تمكن من تحويل الأنظار مؤقتاً عن أن المسألة الرئيسية هي الخلل البنيوي لسياسات النظام الاقتصادية، والتبعية للإمبريالية وأدواتها المالية، والفساد الهيكلي الذي لا يمكن إصلاحه، والذي هو هو شكل وجود النظام وضرورة من ضروراته.
بيد أن خيبة الأمل لدى كثير من الواهمين بالبرلمان الجديد، ولا سيما شعور القواعد التقليدية للنظام بالخذلان، والقناعة الواسعة النطاق بتزوير الانتخابات بأشكال شتى، وتبديد التمثيل بحيث يبدو البرلمان أقرب إلى ما يصفه الإخوة المصريون "بسمك لبن تمر هندي"، ستفك طلسم البرلمان وما رافقه من مولد خلال فترة وجيزة.
أما الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الطاحنة المتصاعدة، والتي حاول النظام كنسها تحت السجادة، كما يقال، فستدفع قطاعات واسعة من الجماهير الكادحة إلى الشارع من جديد، وهذه المرة إلى البحث عن تعبيراتها السياسية غير الفوضوية وخارج "الإخوان المسلمين"، الذين وجهت إليهم ضربات حقيقية، سواء من قبل النظام الذي أراد تحجيمهم باختراع "الوسط الإسلامي"، أو بسبب انقسامهم هم أنفسهم إلى تيارين، وفي الأساس بسبب الخلاف حول التبعية "لحماس" والعلاقة الأردنية- الفلسطينية، بعد أن ارتطم مشروعهم بالجدار وانفضت الجماهير من حولهم.
في تقديري سيظل العامل الاقتصادي- الاجتماعي هو العامل الحاسم فيما سيشهده الشارع من تطورات. وميزته أنهم قادر على جميع الطبقات الكادحة، الشرق أردنية والفلسطينية، على برنامج واحد، الأمر الذي شهدنا مقدماته بجلاء في هبة تشرين. فبغير ذلك سيبقى اليمن الأردني قادراً على اللعب على مخاوف الأردنيين، وسيبقى اليمين الفلسطيني، بفتحه وحماسه، قادرين على اللعب على تعويذة "يا وحدنا"، ليظل الانقسام في الواقع الأردني عمودياً بدلاً من أن يتخذ شكله الطبقي الطبيعي الأفقي.
ما هو مطلوب هو بناء الكتلة الشعبية الحرجة الأردنية- الفلسطينية المدركة بأن تحرير الأرض الفلسطينية يمر بتحرير الأردن من التبعية، وأن التحرر من الجوع يمر بالتحرر من أوهام "اللي بجوز أمي هو عمي" من جهة، و"يا وحدنا واستقلال القرار الفلسطيني" من جهة ثانية.
والطريق إلى ذلك هو يسار يعي مسؤوليته ودوره التاريخي ويتخلص من أوهامه الليبرالية هو نفسه، ويقود الجماهير بجسارة نحو خلاصها الوطني والاجتماعي، فهما متلازمان بالضرورة.

الخميس، 10 مايو، 2012

بوتين: لن نقبل ديمقراطية الصواريخ والقنابل في سوريا









بقلم: هاشم التل

تناول دكتور العلوم السياسية في جامعة اليرموك وليد عبد الحي في محاضرة استضافها المنتدى العربي أمس الأول محاور الاستراتيجية الروسية والصينية الجديدة في العلاقات الدولية وإمكانيات تلاقيها على مسرح السياسة العالمية المتغير باتجاه عالم متعدد الأقطاب، متخذاً من موقف الطرفين المشترك من الأزمة السورية مثالاً على مقاربته. 

المحاضر الذي ألف العديد من الكتب التي اختصت في أغلبها بالدراسات السياسية المستقبلية، استند في محاضرته التي حملت عنوان الاستراتيجية الروسية والصينية الجديدة في العلاقات الدولية على وثائق الأمن القومي الاستراتيجية المعلنة لكلا البلدين، إضافة إلى مقالات عديدة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أدى هذا الأسبوع اليمين الدستورية رئيساً للبلاد.

مقالات بوتين التي عرض لها عبد الحي تمحورت حول رؤية الرئيس الروسي لعناصر التهديد وآليات وتفاعل التهديد والرد على المصالح الاستراتيجية للدولة الروسية، بينما استند في مقاربة الاستراتيجية الصينية إلى برنامج التحديثات الأربعة الذي تبناه مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني عام 1978 وتبلورت من خلال تطبيقه نظرية الصعود السلمي في السياسة الصينية عام .2003

وأشار عبد الحي إلى أنه يتعين على المتابع للمشهد الحالي للمسرح الدولي أن يتجاوز الصورة السياسية الباهتة التي تشكلت عن روسيا في حقبة غورباتشوف ويلتسن، وأن روسيا في عهد بوتين استطاعت تجاوز ما سماه حاجز الضغط الذي شكله تمدد حلف الناتو إلى أوروبا الشرقية وإحكام قبضته عليها في نهايات حقبة الاتحاد السو ييتي السابق.

وأكد المتحدث وجود ترابط متين بين الدولتين، الروسية والصينية، يتجاوز ما هو ظاهر للعيان، من ناحية المصالح الأمنية المشتركة حيث يشترك الطرفان بحدود مشتركة تمتد على طول 3400 كم، مشيراً إلى حقيقة أن الصين هي الشريك التجاري الأول للدولة الروسية.

وأضاف عبد الحي في محاضرته التي أدارها الدكتور علي المحافظة، ان وجود أطر مشتركة بين الدولتين مثل منظمة بريكس وهي منظمة تضم الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم، إضافة إلى عضوية البلدين في اللجنة الخاصة بالملف النووي الكوري إلى جانب عضويتهما الدائمة في مجلس الأمن هي دليل على وجود توافق استراتيجي بين الدولتين.

ولفت المحاضر النظر إلى وجود توافق روسي- صيني على مبادئ استراتيجية جديدة تحكم عمل العلاقات الدولية تتضمن الحفاظ على السيادة الوطنية وعدم التدخل الخارجي والعمل بمنطق التسويات السياسية في المناطق الاستراتيجية واتفاق الطرفين على العلاقة الاستراتيجية مع دول غرب آسيا وفي مقدمتها إيران واعتبار الطرفين هذه المنطقة ضمن مجال الأمن القومي الاستراتيجي.

واقتبس عبد الحي، في مقاربته لموقف الدولتين من المسألة السورية من مقالات الرئيس بوتين قوله إن المجال الأوروبي قد تم إقفاله أمام روسيا بعد قيام الاتحاد الأوروبي، وإن إقفال المجال الحيوي الثاني لروسيا، غرب آسيا، ويضم إيران والعراق وسورية سيؤدي إلى خنق الدولة، وهو أمر، بحسب بوتين، غير مسموح به نهائياً.

ونوه المحاضر إلى تصريح بوتين مؤخراً إلى أن روسيا ترفض في إطار خلافها مع الولايات المتحدة انتقائية ممارسة الديمقراطية الأمريكية، وقوله إن ديمقراطية الصواريخ والقنابل لن تقبلها روسيا في معرض حديثه عن المسألة السورية.

وتحدث المحاضر عن عدة حقائق أساسية في العلاقة الروسية السورية أهمها أن سورية هي أهم شريك عربي للدولة الروسية حيث تشكل نسبة الصادرات الروسية إلى دمشق 20 بالمئة من مجمل التجارة الروسية العربية وأن هذه التجارة ارتفعت بنسبة 58 بالمئة في فترة الأزمة السورية بين 2010-2011 مشيراً في الأثناء إلى أن القاعدة الروسية البحرية في طرطوس هي القاعدة الوحيدة لروسيا في منطقة البحر المتوسط.

وأضاف عبد الحي أن سورية تشكل سوقا مهمة لمبيعات السلاح الروسي وأنها تشكل ما نسبته 7 بالمئة من مجمل مبيعات الأسلحة الروسية، لافتاً النظر إلى وجود تاريخ طويل من المساندة الدبلوماسية بين البلدين حيث كانت سورية من بين دول قليلة أيدت العملية العسكرية الروسية في جورجيا، كما سعت دمشق إلى تعزيز الحضور الروسي في عملية السلام بعد مؤتمر مدريد.

وحول العلاقة الصينية السورية، أشار المحاضر إلى أن حجم التجارة المتواضعة بين البلدين يدفع الباحث إلى تتبع خيوط أخرى لفهم قيام بكين بوضع فيتو مرتين على قرار أمريكي بخصوص سورية، معتبراً أن هذا التحرك جاء في إطار رد الفعل المباشر على تحول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لتستهدف المحيط الحيوي للدولة الصينية الصاعدة.

ولفت عبد الحي النظر إلى مقال وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون في مجلة فورن بولسي والتي قالت فيه إنه يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل بشكل منظم على استثمار جهودها خلال العقد القادم في منطقة المحيط الهادي معصم الصين. مشيراً في الأثناء إلى وجود جملة من أسباب التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين منها زيادة الأنفاق العسكري للصين والضغط الأمريكي المستمر على بكين لرفع قيمة عملتها، وبيع الولايات المتحدة أسلحة لتايوان إضافة إلى قيام واشنطن باستقبال زعيم التبت الداي لاما ما دفع المسؤولين الصينيين للرد سياسياً على التحركات الأمريكية في مناطق نفوذ أخرى.

واختتم المحاضر ندوته بالحديث عن أن العلاقات الدولية باتت محكومة بنظرية اللعبة غير الصفرية المبنية على أن وجود تناقضات في المصالح بين الدول الكبرى لا يعيق استمرار المصالح المشتركة، مدللاً على ذلك بحقيقة تفاهم بكين وموسكو على منع واشنطن من محاصرة البلدين واتفاقهما معها بضرورة مكافحة الحركات الدينية المتطرفة في أفغانستان، ما يدل، بحسب المحاضر، أن المصالح، لا المبادئ هي التي تحكم السياسية الدولية المعاصرة.

(العرب اليوم)

10-5-2012

الأحد، 26 فبراير، 2012

بيرة في نادي البلياردو

بقلم: محمود منير

وجيه غالي، أصدر رواية يتيمة نشرت باللغة الإنجليزية عام 1964، وانتحر بعد خمس سنين، في لندن، تاركاً أثراً لن يُنسى، كأن جنازته لا تزال سائرة إلى قبر مجهول.
تعرض روايته "بيرة في نادي البلياردو" لمصر في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، ويكتبها بسخرية لاذعة من السلطة وزيف الطبقة الأرستقراطية التي ينتمي إليها، لا تخفي عمقاً معرفياً يظهر من مقاربته للأحداث واستحضاره رموز الثقافة والفن والسياسة.

السياسة تطغى على أغلب حوارات الرواية، التي تبدو غنية، بسبب انغماسها بفكاهة شعبية تُولد من رحم المأساة والفقر واللاجدوى، ولأنها تعكس أسرار طبقة فاحشة الثراء من منظور أحد أفرادها الخارجين عليها وعلى القانون والمجتمع.
"خروج" لا يركن إلى حقيقة بعينها، فبطل الرواية "رام" دائم النقد سواء لنظام عبد الناصر، الذي أيّده في البداية، ولعلاقات أسرته وأقاربه مع الفلاحين، وللثقافة الإنجليزية والأوروبية عموماً، ولا تسلَم شيوعيته كذلك من النقد القاسي.
صدق الرواية يكمن في نقد الناصرية وأعدائها في مراجعة تاريخية تعكس إلماماً تاماً بالثقافة الأوروبية، وأعمال اليسار وآثارهم، والواقع المصري، وهو ما يمنحها الاقناع والتأثير.
"اقناع" ينطلق من مساحة رومانسية وعدمية، ويعبر عن نموذج السياسي الذي يتبناه البطل، في إطار رفضه المطلق للسلطة في وجوهها كافة.
أُكتشف وجيه غالي - فجأة - بعد عقودٍ على موته، فترجمت هناء نصير روايته عام ،2006 للمرة الأولى إلى العربية، ولا تزال معروفة في أوساط محدودة.
أهمية الرواية تتأتى من راهنيتها رغم أنها تناولت أحداثاً جارية في عهد عبد الناصر، لكن نظرة الكاتب المتفحصة والمختلفة والجذرية تجاهها، تجعل عمله متجددا على الدوام، وتصلح نكاته السياسية للعصر الحالي وتنطبق على الساسة الجدد.
"النكتة" هي أحد أسرار الهوية المصرية ومكوناتها الأساسية في عملٍ يقدّم نماذج قبطية ويهودية ومسلمة وتركية ويونانية ويمينية ويسارية وقومية ليظهر وجاهة رأيه، وبراعة بطله في التهكم منها.
"تهكم" لن يُمحى من ذاكرة قارئ سيعتقد أن غالي، لم يتوقف عن عبثه، حتى اللحظة، بـــ"بطل سكّير" يحطم خطاب السلطة، ولا يملّ من إطلاق سخريته تجاه الكون كلّه.

(العرب اليوم)

الأحد، 8 يناير، 2012

الحراك الأردني ومأزق يسار الناتو












بقلم: ناهض حتر



حين قرأت كلام الصديق سلامة كيلة عن الحراك الأردني («الأخبار» في 24 تشرين الثاني 2011)، أسفتُ مرتين. مرة لأنّ جميع المعطيات التي ذكرها كيلة عن الحراك الأردني غير صحيحة، ومرة لأنّه، على رغم جهله الكامل بالوقائع الأردنية، يجد لديه من الجرأة ما يجعله يعطينا النصيحة. ونصيحته، في جوهرها، هي انحناء الحركة الشعبية للبرنامج الأميركي ـــــ الإخواني في الأردن، وخصوصاً باتجاه جرّ البلد إلى التدخل العدواني في سوريا.

ولا أقول إنّ كيلة موالٍ لذلك البرنامج، لكنّني أزعم أنّه، في إطار نظرية الصيرورة الثورية التي يتبناها، يرى، كما يرى في سوريا، أنّ تحقيق أهداف الحلف الأميركي الإسلاموي في بلادنا يمهّد الطريق للقوى الثورية لكي تتصلب وتناضل وتنتصر. وهي نظرية تتسم بالعدمية السياسية وبانعدام روح المسؤولية نحو الأوطان والمجتمعات، وتقود إلى انخراط اليساريين في معسكر أعدائهم، بحجة التمرد على هذا المعسكر لاحقاً! في المعطيات، ليس لدى كيلة معرفة البتة بالحراك الأردني، ما يجعل تصحيح «معلوماته» أمراً عبثياً. ولذلك، لن أقف عندها إلا لماماً، وأقدم، بالمقابل، عرضاً موجزاً للحراك الأردني ومضامينه وتطوّراته. أولاً، بدأ الحراك الأردني في أيلول 2009، في انتفاضة عمال ميناء العقبة المخصخص. وقد منحت تلك الانتفاضة للحركة العمالية الجديدة التي أطلقتها اعتصامات لجنة عمال المياومة وعمال القطاع العام، زخماً، وأصبحت، منذ احتفالها بالأول من أيار 2011، عاملاً سياسياً لا يمكن تجاوزه. في ذلك اليوم نفسه، جرى إطلاق بيان المتقاعدين العسكريين، الذي طاول، لأول مرة في البلاد، صلاحيات الملك وطالب بالعودة إلى دستور 1952 الذي يقيّد تلك الصلاحيات، وباجتثاث الفساد واستعادة أموال الخزينة وأراضيها، والتراجع عن الخصخصة والنهج النيوليبرالي وإعادة بناء القطاع العام الاقتصادي وإصدار قانون ضريبي تصاعدي على الدخل والأرباح، إضافة إلى قوننة فك الارتباط مع الضفة الغربية والشروع في بناء سياسة دفاعية ضد العدو الإسرائيلي. وقد أصبحت مضامين هذا البيان تمثّل الخط العريض لمجمل الحراك الشعبي اللاحق.

حين تحرّك المتقاعدون العسكريون (قاعدتهم تزيد على 140 ألف متقاعد يشكلون مع أسرهم سدس المواطنين) تحرّكت شبكة شعبية ـــــ من خارج صفوف المعارضة التقليدية ـــــ من معلمي القطاع العام (قاعدتهم 90 ألفاً) لانتزاع نقابة للمعلمين (لم يصل للصديق كيلة خبر إنجاز هذا الهدف، رغم مرور أربعة أشهر على حصوله!). وكان حراك المعلمين شاملاً في المحافظات، وتبدّى في سلسلة من الإضرابات والاعتصامات. ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أنّ ناشطي المعلمين (بالإضافة إلى ناشطي العمال والمتقاعدين العسكريين) أصبحوا هم بالذات العمود الفقري لتنظيم الحراك الشعبي العام المنطلق في كلّ المحافظات اعتباراً من 7 كانون الثاني 2011.

ثانياً، في ذلك اليوم، وقبل سقوط بن علي في تونس، انطلقت تظاهرات في ذيبان، المعقل العشائري المفقَر، جنوبي العاصمة عمان، وكانت هذه الشرارة التي أطلقت الحراك الشعبي العام في جميع المحافظات في الجمعة التالية، في 14 كانون الأول 2011 (أي قبل ثورة 25 كانون الثاني/ يناير في مصر. فلا أعرف من أين اخترع كيلة معلومته القائلة بأنّ الجماهير الأردنية تحركت في البداية تضامناً مع الشعب المصري؟). في تظاهرات 14 كانون الأول الكبرى، احتشد حوالى 15 ألفاً في عمان، من دون مشاركة الإخوان المسلمين. وكان معظم المشاركين قد أتى من المحافظات القريبة ومن عشائر عمان. وكان شعار التظاهرات المركزي هو إسقاط حكومة سمير الرفاعي الاستبدادية النيوليبرالية التي سقطت فعلاً في 7 شباط التالي.

وحول عديد المشاركين في تظاهرات الحراك الشعبي، لم يلتفت كيلة (الذي لا يميّز الخصوصيات المحلية) إلى أنّ الشعب الأردني يتكون من ستة ملايين نسمة لا غير، منهم كتل من أصل فلسطيني تقدر بمليونين ونصف مليون، مجمدة في أغلبيتها الساحقة عن المشاركة السياسية، ومنهم النساء اللواتي، وفقاً للتقاليد العشائرية، لا يشاركن في التظاهرات، ومنهم منتسبو الجيش والأجهزة الذين يزيدون على مئة ألف، عدا عن العناصر السكانية من الفئات العمرية التي لا تستطيع المشاركة. وبالحساب، يكون الحراك الأردني قد دفع، عملياً، بأغلبية العناصر السكانية القادرة للمشاركة في فعالياته. وعلى خلاف التغطيات الإعلامية التي تتعامل مع الداخل الأردني من خلال كليشيهات مسبقة وتمنحه القليل من الأهمية، رأى النظام أنّه مهدد فعلياً، ولا سيما أنّ الرأي العام ـــــ بما في ذلك القسم الرئيسي من العسكر والموظفين العموميين ـــــ يؤيد مطالب الحراك. ووفقاً لموازين القوى على الأرض، تنبّهت نخبة النظام مبكراً إلى أنّ مواجهة الحراك الشعبي بالقمع ليست ممكنة، فهي تقود إلى مجابهة مسلحة في المحافظات، وربما إلى تمرد عسكري، فاختارت الانسحاب من المواجهة والتعامل مع الفعاليات بصورة مرنة وغالباً سلمية وتنظيمية.

ثالثاً، تصاعد مد الحراك الأردني بمشاركة الإخوان المسلمين اللاحقة. وفي 24 آذار 2011، تفاهمت قوى الحراك مع الإخوان على تنظيم اعتصام مفتوح على دوّار جمال عبد الناصر في عمان، وهو موقع حيوي ويشكل مركز عقدة المواصلات بين أطراف المدينة. وكان يمكن لذلك الاعتصام أن يشكّل مفصلاً في التطوّرات السياسية الأردنية، لولا أنّ جماعة الإخوان استغلت التجمع الشعبي الحاشد (الآتي من العاصمة ولكن، رئيسياً من المحافظات) وبفضل قدراتها اللوجستية، تمكنت من زرع حوالى 500 من أعضائها كلجان نظام سيطروا في عملية انقلابية على الاعتصام، مانعين، بالقوة، ممثلي التيارات الأخرى من التعبير أو المشاركة في اتخاذ القرار. ووسط ذلك الانقلاب، أصدر الإخوان المسلمون، باسم الاعتصام، بيان مطالب ركز على فتح باب التجنيس وإصدار قانون انتخابات يمنح الكتل ذات الأصل الفلسطيني، أغلبية برلمانية. وهو ما أدى إلى شقّ صفوف الاعتصام، وتخلّي حراك المحافظات عنه، ما خلق الظروف لتمكين البلطجية والأمن من فضّه بالقوة في اليوم التالي.

رابعاً، طرحت مأساة 24 ـــ 25 آذار على الفور، مسألة ترتيب العلاقات بين المكونات الوطنية للشعب الأردني كمقدمة لا غنى عنها لتحقيق أهداف التغيير الديموقراطي. وهنا برزت ـــــ ولا تزال ـــــ قضية قوننة تعليمات فك الارتباط مع الضفة الغربية التي كانت حتى 1988 جزءاً من المملكة، ثم جرى الاعتراف الرسمي الأردني بأنّها جزء من الدولة الفلسطينية العتيدة. وهو اعتراف تأخر 14 عاماً بعد اعتراف جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني في 1974، ولم يرضخ النظام الأردني لهذا القرار إلا تحت وطأة الانتفاضة البطولية في الضفة وغزة في 1987 ـــ 1988. لكن النظام الأردني الذي رضخ سياسياً لمطالب الانتفاضة الفلسطينية في قرار اعتبره المناضل الراحل جورج حبش، يومها، انتصاراً تاريخياً للشعب الفلسطيني، ظل يناور في حسم العلاقة مع الضفة الغربية، فلم يتحول فك الارتباط إلى نص دستوري، ولم تتحول تعليمات فك الارتباط، الخاصة بالمواطنين، إلى قانون. وقد رمى النظام الأردني، من وراء تلك المناورة، إلى (1) إبقاء الاحتمالات السياسية مفتوحة لإعادة العلاقة مع الضفة في شكل إلحاقي أو كونفدرالي، (2) وإبقاء الأردنيين من أصل فلسطيني مهددين من حيث الوضع القانوني لجنسياتهم، ما يسهّل شلّهم عن المشاركة السياسية الداخلية.

وفقاً لتعليمات فك الارتباط مع الضفة الغربية، جرى اعتبار المقيمين الفلسطينيين في الأردن مواطنين أردنيين يحظون بالرقم الوطني والجنسية، والمقيمين في الضفة، فلسطينيين. ولأنّ تلك التعليمات لم تقونن، فقد ظل تطبيقها في أيدي وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، التي بإمكانها سحب الجنسيات أو منحها. وقد تواطأت النخب الحاكمة من الجانبين، على رفض قوننة فك الارتباط. فالمتطرفون الشرق أردنيون يريدون تعليق قوننة جنسيات ذوي الأصول الفلسطينية بما يسمح لهم بالمطالبة في ظروف معينة بسحب هذه الجنسيات، بعضها أو كلها، بينما جماعات الوطن البديل الفلسطينية تريد استغلال عدم التحديد القانوني للتجنيس لمنح المزيد من الفلسطينيين الذين وفدوا إلى الأردن بعد 1988، ويقدّر عديدهم بأكثر من مليون، الجنسية الأردنية. وتؤيّدهم، في ذلك، جماعة الإخوان المسلمين التي ترى في هؤلاء، قاعدة سياسية لها، وخزّان أصوات للانتخابات النيابية. بالمقابل، ترى قوى أساسية في الحراك الأردني أنّ نقل جنسيات الأردنيين من أصل فلسطيني من المظلة الإدارية الأمنية إلى المظلة القانونية، سوف يؤدي إلى بيئة سياسية جديدة وطنية وديموقراطية في البلاد، تسمح بتوحيد الشعب الأردني، بكل مكوناته، وتحقيق برنامج التغيير. إنّ منح الصفة القانونية النهائية لجنسيات الأردنيين من أصل فلسطيني سوف يحررهم سياسياً، ويعطي للفئات الشعبية منهم فرصة المشاركة السياسية والنضالية. وبالمقابل، فإنّ الوقف القانوني لعملية التجنيس المستمرة سوف يسمح للقوى الديموقراطية الشرق أردنية بكبح جماح المتطرفين وتهدئة القلق الشرق أردني من حدوث انقلاب ديموغرافي يغيّر هوية البلد والدولة. وهذا القلق، بالذات، هو الذي يعرقل التغيير.

خامساً، منذ منتصف نيسان الماضي، عاود الحراك الشعبي نشاطه المنظم في المحافظات مركّزاً على المطالب الاجتماعية بالدرجة الأولى: اجتثاث الفساد واستعادة المال العام، ضرب الفئات الكمبرادورية، إعادة بناء القطاع العام الاقتصادي، تنمية المحافظات. وعلى وقع تلك المطالب، جرى تنظيم مئات الفعاليات النضالية المطلبية للفئات، كما ظهرت اتجاهات عنفية لانتزاع الأراضي المسلوبة من قبل «المستثمرين»، كما حدث في منتصف تشرين الثاني الماضي في معان، حيث أجبرت مجموعات تعاونية محلية، وبأعمال عنفية، الحكومة، على إعادة أراض زراعية كانت قد فوّضتها لشركة استثمارية. ذلك، بينما ركزت الفعاليات التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين على الإصلاح السياسي، بالاتجاه نفسه الذي ظهر في 24 آذار، أي إجراء تحوّلات سياسية تكفل إعادة بناء النظام على أساس المحاصصة الديموغرافية السياسية. وحين تشكلت حكومة عون الخصاونة التي بدأت بالتقارب مع حماس ووعدت بالاستجابة لمطالب الإخوان، هتف جمهورهم للرئيس «المصلح»، وانفضّوا عن التصعيد، وتراجعوا عن مساعي الانخراط في الحراك الشعبي. ولتعويض ذلك الغياب، بدأوا بتنظيم فعاليات لا تتصل بالمطالب الداخلية.

سادساً، بسبب مأزق الانقسام الأهلي، اتجه تطوّر الشعارات في المحافظات نحو مطاولة صريحة وشديدة اللهجة للملك وأشخاص الحكم بالاسم، من دون طرح شعار إسقاط النظام. وهو ما يعبر عن تناقض ناجم عن تجاهل مطالب الحراك من قبل النظام، ما يقود إلى انفجار الغضب ضده، وبالمقابل، عن شعور بالمسؤولية الوطنية من الذهاب الى مواجهة كسر العظم مع النظام خوفاً من بديل إخواني أميركي يقود البلاد إلى صيغة من الوطن البديل أو إلى الحرب الأهلية والفوضى. ويجمد هذا التناقض التطوّر السياسي في البلاد.

سابعاً، في الأردن الآن قوتان شعبيتان: أولاً، الإخوان المسلمون وحلفاؤهم الذين دخلوا في تحالف محلي وإقليمي مع حكومة عون الخصاونة. وتحظى هذه القوة بالتغطية السياسية والإعلامية بفضل قوة الحضور الأميركي التركي القطري في المنطقة. وهو حضور مستعد لتقديم الدعم المالي والسياسي للنظام الأردني، بما في ذلك الصمت عن الإصلاحات المطلوبة وتسهيل عضوية الأردن في مجلس التعاون الخليجي، مقابل جر عمان للضلوع في سياسات موالية للإخوان المسلمين وإجراءات ضد النظام السوري. القوة الثانية هي الحراك الشعبي في المحافظات والقوى اليسارية والقومية، ولم يتّحد ذانك الطرفان ذاتياً بعد، لكنّهما ينخرطان معاً في معركة منع انزلاق النظام الأردني إلى المشاركة في الأعمال العدائية ضد سوريا. وهو ما يزعج الإخوان المسلمين، وكذلك اليساري كيلة، بشدة.

ثامناً، تميّز الحراك الشعبي الأردني منذ بداياته بانضباطه في سياق وطني اجتماعي وقومي يساري. وبسبب تحرره من تدخل الليبراليين والقَطريين واستقلاله عن الإخوان المسلمين، لم ينجرّ إلى المصالحة مع السياسات الأميركية. ومن اللافت أنّ العاصمة العربية الوحيدة التي عرفت، في ظل فعاليات الربيع العربي، اعتصامات ضد السفارة الأميركية، كانت عمان التي شهدت عدّة اعتصامات ضد سفارة العم سام، أطلق أولها المتقاعدون العسكريون وشبيبة القوى اليسارية، بينما أحرق متظاهرو الكرك، غير مرة، علم حلف الناتو. ولم يكن ذلك على سبيل تأييد نظام القذافي، بل رفضاً للتدخل اللصوصي الإجرامي للاستعمار في الشؤون العربية. كذلك، فإنّ اتجاه الحراك الشعبي الأردني إلى التعبير بكل الوسائل عن رفض التدخل الخارجي في سوريا، ورفض انجرار الأردن الى المشاركة في تدخل كهذا، لا يمكن وضعه في سياق تأييد النظام السوري. وكمثال، فإنّ تيار المتقاعدين العسكريين الذي أصدر موقفاً لافتاً لتحذير النظام الأردني من مغبة التدخل في سوريا، ليس بعثياً ولا من أصدقاء دمشق، وإنما هو ينبثق من قلب المؤسسة العسكرية الأردنية.

نعم. أصاب كيلة في معطى واحد حول الحراك الأردني، وهو أنّ هذا الحراك وضع على جدول أعماله، مهمة التضامن مع الشعب السوري في مواجهة كل القوى التي تعمل ضد حقوقه الديموقراطية والاجتماعية، كما ضدّ وحدته وسلامته وأمنه، ووحدة وسلامة وقوة الجمهورية العربية السورية.



يرتبط الأردن مع جارته التوأم، سوريا، بعلاقات حدودية وديموغرافية واجتماعية وسياسية واقتصادية متشابكة للغاية، ما يجعل الحدث السوري أردنياً بامتياز. ويخشى الأردنيون من أنّ انفراط الدولة والقوة السورية سوف يؤدي، بالإضافة إلى كوارث متوقعة في جميع المجالات، إلى حدوث فراغ سوف تستفيد منه إسرائيل للتوسع وفرض مشروع الوطن البديل بالقوة، ولا يبعد عن هذا التوقع احتمال تسلّم ثوار الناتو والإخوان السلطة في سوريا، ما سيؤدي إلى وضع مشابه في الأردن سوف ينفّذ مشروع الوطن البديل من خلال شعار يعتبر الأردن «أرض الحشد والرباط»، أي واقعياً أرض التوطين. ترفض القوى الشعبية الوطنية الأردنية الخيار الأميركي الإخواني لأنّه سوف يجذّر النهج النيوليبرالي، نهج الخصخصة وحرية التجارة والإفقار، ويضرب التيارات الوطنية والتقدمية، بينما سيطلق أيدي هيئة محلية للمطاوعة لتسييد الوهابية وإلغاء التحضّر والتسامح وروح التقدم في البلاد، ويقود حتماً إلى الحرب الأهلية.

وحين يتهم كيلة، أو سواه، الحراك الأردني في نهجه العروبي الاستقلالي التقدمي، فإنّ نشطاء الحراك يعتبرون تمسكهم بهذا النهج وساماً.
جريدة الأخبار
4-1-2012

الجمعة، 25 نوفمبر، 2011

راهنية المؤتمرات الوطنية



مداخلة عصام التل في ندوة: الحركة الوطنية الأردنية
 ربّ سائل: لماذا الحديث عن الحركة الوطنية الأردنية في عهد الإمارة، من 1921 إلى 1946؟ وهل في هذا ما يشبه أردن اليوم بعد كل ما جرى من مياه تحت الجسر؟
متصفح هذا الكتاب، للدكتور عصام محمد السعدي، يدهش لما فيه من سرد وتوثيق للوقائع، ومن تسمية للأشياء بأسمائها. فهو وإن كان يسرد بلغة سلسلة خالية من الخطابة السياسية، إلا أنه بيان سياسي بامتياز، يستند إلى الحقائق بالدرجة الأولى، وإلى التحليل والاستنتاج بدرجة أقل. وفي طياته سجل لعدد هائل من الوثائق التي يوردها في هوامشه، والتي تشكل، في معظمها، مرجعاً مثبتاً متسقاً لمن يريد أن يقرأ الرواية المنحازة إلى الجماهير لتاريخ الشعب الأردني، وحركته الوطنية، في سياقها التاريخي، منذ ما قبل نشوء الإمارة بموجب تعاقد أبرم في القدس  بين وزير المستعمرات البريطاني، ونستون تشيرتشل، والأمير الهاشمي عبد الله القادم من الحجاز، والذي يقضي بأن يمنح الأول الثاني مهلة ستة أشهر، كفترة تجريبية، "لإقامة حكم محلي فيها بمعاونة ضابط سياسي بريطاني يعمل بصفة رئيس مستشارين للأمير عبد الله، ويساعده في توطيد الأمن والنظام في شرقي الأردن... وذلك من أجل بلوغ الهدف، مقابل أن يضمن عبد الله "عدم قيام هياج ضد الفرنسيين وضد الصهيونية في البلاد، وأن يتعاونا تعاوناً كاملاً في توطيد أسباب الهدوء والأمن والاستقرار تحت الانتداب البريطاني".
"وافق الأمير عبد الله بسهولة على مقترحات تشرتشل، التي تضمنت التخلي عن المطالبة بتحرير سورية (من الفرنسيين) وبدون نقاش"، وهو الشعار الذي رفعه عبد الله قبل وصوله إلى معان من الحجاز، وجعل الاستقلاليين السوريين الذي قاتلوا المحتل الفرنسي ولجأوا إلى الديار الأردنية المتلاحمة مع كفاحهم يرحبون به ويعلنون مساندتهم لمشروعه المعلن في استرداد الدولة العربية السورية الفيصيلية، التي أجهز عليها تقسيم بلاد الشام بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي، وإعلان بريطانيا المنتصرة على الإمبراطورية العثمانية في الحرب الكونية الأولى وعد بلفور بإقامة وطني قومي لليهود في فلسطين.
"بعد عودته إلى عمان من القدس، أرسل الأمير عبد الله إلى والده، ملك الحجاز الحسين بن علي في 20/4/1921، رسالة يبرر فيها تنازلاته جاء فيها: "... ولتأكدي من حقيقة عدم الاقتدار على استخلاص سوريا بحرب نقيمها نحن بدون مقاومة دولية، ولوقوفي هنا على حقيقة عدم اقتدار الشعب السوري على ذلك، وتأكدي أيضاً من عدم إمكان رجوع الأخ فيصل إلى سوريا برضى من فرنسا، فقد قبلت الخطط السياسية المعقولة التي رسمتها بريطانيا وتعهدت أن أدير منطقة شرق الأردن بصفتي ممثلاً لجلالة ولي النعم..."
لخَّص اتفاق تشيرتشل – عبد الله طبيعة الوظيفة الأمنية- السياسية التي تحددت للدولة الأردنية الناشئة ضمن خريطة التقسيم الإمبريالي للعمل في المنطقة العربية لحقبة ما بعد اتفاق سايكس – بيكو، البريطاني - الفرنسي. وهي وظيفة امتدت حتى يومنا هذا، رغم كل المنعرجات وصعود وهبوط خطها البياني وفقاً لقدرات الحركة الوطنية الأردنية، كطلعية للشعب الأردني، على مجابهة المشروع الإمبريالي- الصهيوني- الرجعي في المنطقة، وللشروط التاريخية ومعطيات الجغرافيا السياسية، ومن أبرزها دور الصهيونية، وأداتها الإسرائيلية، في إفشال المشروع الوحدوي العربي عامة، والشامي، خاصة، والتحولات الاجتماعية – السياسية التي شهدتها المنطقة بدخول الاستعمار الأميركي الجديد وتوسع السوق العربية عامة، والأردنية خاصة، في أواسط خمسينيات القرن الماضي، وظهور النفط كعامل حاسم في الصراع على الأوطان وعلى وعي الجماهير، الأمر الذي وضع أمام الحركة الوطنية الأردنية مهاماً معقدة وربما أكبر من طاقتها، في مواجهة الحلف الإمبريالي – الصهيوني – الرجعي العربي، الذي يتبدى اليوم في أكثر تجلياته وضوحاً.
لم تقف الحركة الوطنية الأردنية مكتوفة الأيدي أمام المشروع الإمبريالي- الصهيوني في المنطقة. ففي مواجهة ذلك، عقدت القوى الشعبية الأردنية قبل قيام الإمارة مؤتمر أم قيس في 2/9/1920، الذي ضم في الأساس زعامات الشمال الأردني وانتهى بمعاهدة أم قيس مع المعتمد البريطاني الميجور سومرست نائباً عن المندوب السامي في فلسطين مثلت مطالب الأهالي، ومن أبرزها: المطالبة بإقامة حكومة وطنية موحدة ومستقلة، استقلالاً كاملاً، ذات جيش وطني. وبمنع الهجرة اليهودية إلى شرق البلاد منعاً باتاً، وبمنع بيع الأراضي لليهود، والمطالبة بعدم تسليم الوطنيين السوريين والأردنيين الذين لجأوا إلى شرقي الأردن إثر سقوط الحكم العربي بدمشق، وبإلغاء أحكام النفي والإعدام بحقهم من السلطات العسكرية الفرنسية.
ومع بدء الترتيبات لإقامة الإمارة في نيسان 1921، رأى الأردنيون أن ما يجري تطبيقه على الأرض يتناقض مع طموحاتهم الوطنية في النضال من أجل دولة عربية سورية موحدة تضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين. وعلى الرغم من الطابع العشائري الغالب على الحركة الوطنية، إلا أن الأغلبية الساحقة من شيوخ العشائر، ومعهم المثقفون الأردنيون المسكونون بالهم السوري العام وبالخطر الصهيوني، ردت على ما رأته من وظيفة أمنية سياسية تحضّر للأردن والأردنيين في خدمة المصالح الإمبريالية والصهيونية بانتفاضات شعبية في الكورة، في الشمال الأردني، استمرت من أيار 1921 حتى أيار 1922. ومن ثم انتفاضة العدوان في أيلول 1923، وانتفاضة وادي موسى في شباط 1926، رغم طابعها العشائري والمحلي.
ومن أجل " توطيد أسباب الهدوء والأمن والاستقرار تحت الانتداب البريطاني"، وفقما نص عليه اتفاق القدس، ولإضفاء نوع من الشرعية على المعاهدة البريطانية- الأردنية التي وقعها نظام الإمارة مع بريطانيا في 20 شباط 1928 لضمان السيادة السياسية والعسكرية البريطانية على البلاد، والحصول على اعتراف دولي يكرس الهيمنة البريطانية المباشرة على شرقي الأردن، أصدرت الحكومة البريطانية قانوناً أساسياً لشرق الأردن في 16 نيسان 1928، بينما لجأت حكومة الإمارة إلى إصدار عدة قوانين استثنائية لخنق الحريات العامة وإجهاض حركة المعارضة الوطنية التي ولدت على قاعدة مقاومة الاستعمار والتصدي لمخططاته.
وجاء انعقاد المؤتمر الوطني الأول في 25/7/1928 رداً صريحاً يعبر عن تجاوز الأردنيين للطابع المحلي والجهوي للاحتجاجات، ويرتقي بالتعبير الشعبي إلى مستوى الحركة الوطنية الشاملة للأردنيين بشتى مكوناتهم الاجتماعية. وفي هذا المناخ، شهدت مناطق شرقي الأردن إضراباً عاماً ومظاهرات حاشدة تندد بالمعاهدة وتطالب بإلغائها، وقدم وجهاء البلاد للأمير المطالب التالية:
1. رفض المعاهدة رفضاً تاماً.
2. المطالبة بتنفيذ مواد معاهدة أم قيس حرفياً.
3. إلغاء المادة 25 من صك الانتداب على فلسطين.
4. تأسيس حكومة وطنية فوراً والمبادرة بإجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة.
وعلى إثر حركة الرفض الشعبي العام للمعاهدة، وإصرار الأمير عبد الله على التصديق عليها غير عابئ بإرادة الجماهير، تداعى زعماء البلاد في تموز 1928 لعقد اجتماع كبير في عمان مهد لعقد المؤتمر الوطني الأول في 25/7/1928.
افتُتح المؤتمر في مقهى "حمدان" بعمان، برئاسة الشيخ حسين الطراونة، وضم ممثلين عن مختلف مناطق البلاد وطبقاتها الاجتماعية، وأقر جدول أعمال تضمن، بين ما تضمن، بندين مهمين:
1. مشروعية المعاهدة البريطانية التي ستفرضها السلطات البريطانية على شرقي الأردن.
2. موقف شرقي الأردن من تصريح بلفور القاضي بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود.
كما أقر المؤتمر، بعد أن ناقش على مدار أربعة أيام متتالية جدول أعماله، "الميثاق الوطني الأردني"، وانتخب لجنة تنفيذية ضمت 21 عضواً برئاسة حسين الطراونة يمثلون مختلف أقاليم البلاد.
توالى انعقاد المؤتمرات الوطنية، بينما تولت اللجنة التنفيذية مهمة الحوار والصراع مع حكومة الأمير والمعتمد البريطاني، حيث شكلت مؤسسة المؤتمر الوطني "خندقاً شعبياً حصيناً لزعماء البلاد الوطنيين، ومصدر قوتهم، لمواجهة السياسات المحلية والبريطانية في البلاد".
فاتخذ المؤتمر الوطني الثاني، الذي عقد في قاعة فندق حمدان في عمان، في 7/12/1929، قرارات كان من أبرزها: السعي وراء الاستقلال التام أسوة بباقي البلاد العربية، والسعي لتحقيق بنود الميثاق الوطني، وإلغاء القوانين الجائرة، كقانون وضع الجرائم وقانون النفي والإبعاد وقانون العقوبات المشتركة، والاحتجاج على وعد بلفور المشؤوم الذي، وإن صح، سيكون ضربة قاضية على البلاد العربية كلها، ومقاطعة اليهود، ومنع تسرب الأراضي إليهم، والسعي للوحدة العربية.
وشهدت الفترة التي سبقت انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، الذي انعقد في ديوان عبد القادر التل في إربد، وتم افتتاحه بنشيد وطني لطلاب مدرسة إربد، خلافات بين أعضاء اللجنة التنفيذية، حيث نجحت الحكومة في شق صفوف المعارضة، وانحياز بعض شيوخ وزعماء البلاد لمصالحهم الخاصة، على خلفية الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والجفاف، والتي دفعت البعض إلى محاباة الحكومة في محاولاتها تقديم التسهيلات للوكالة اليهودية، وبيع وتأجير أراضي الأردن لها.
وقرر المؤتمر تشكيل حكومة دستورية مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب انتخاباً حراً وصحيحاً، واعتبر أن "الاضطرابات والإبهام السياسي والفوضى الإدارية والخبط القضائي والأزمات الاقتصادية المستحكمة إنما هي نتيجة محتمة لهذا الوضع السياسي الشاذ الذي عليه البلاد الأردنية".
وانعقد المؤتمر الوطني الرابع في 15 آذار 1932 وسط ظروف تفسخت فيها المعارضة السياسية، وقبول بعض عناصر المعارضة الوطنية للوظائف الرسمية، إلى حد وصف جريدة "الجامعة العربية" الصادرة في القدس لحالة هذه المعارضة بأنها "يرثى لها"، مضيفة أن "جماعة المعارضة التي حملت المبدأ الوطني وجاهدت في سبيله بضع سنوات، لم تلبث أن أدركها الوهن والهلاك، وقد اندس في صفوفها كثير من النفعيين والوصوليين الذين لم تكن معارضتهم عن مبدأ أو عقيدة، وإنما كانت لقصد الوصول إلى الكراسي عن طريق المعارضة.." ورغم الخلافات، طرح المؤتمر قضايا جوهرية ركز فيها على سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، وعلى أخطار الحركة الصهيودية على شرقي الأردن، كما على فلسطين.
وانعقد المؤتمر الوطني الأردني الخامس في السلط، في 6 حزيران 1933، في ظل أزمتين عاشتهما جماهير شرقي الأردن:
أولاً، أزمة اقتصادية عاشتها البلاد منذ 1928، بسبب سنوات القحط المتتالية وما رافقها من ضرائب فوق طاقة الناس.. مما دفع شيوخها وزعمائها إلى التفكير بتأجير أراضيم الزراعية للوكالة اليهودية، وبالفعل أجرى بعض الشيوخ اتصالات معها لهذه الغاية، وشجعهم في ذلك إعلان الأمير عبد الله في الصحف عن رغبته في تأجير أراضي "غور كبد"، و"لمن يرغب في ذلك".
وثانياً، أزمة سياسية/تنظيمية شعبية، تمثلت في حالة الانشقاق في الصف الوطني التي عصفت بمؤسسة المؤتمرات الوطنية.
بيد أن شق صفوف الحركة الوطنية الأردنية، ممثلة في المؤتمرات الوطنية، بفعل عصا القوانين الاستثنائية وقمع السلطات لها وضغوط الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، من جهة، وجزرة الوظيفة الميري وامتيازاتها التي راحت تكبر مع تضخم الدور الوظيفي للنظام في سياق التقسيم الإمبريالي للعمل في المنطقة، وتفاقم المشروع الصهيوني ومتطلباته الأمنية، لم يفت من عضد هذه الحركة. فلم يقتصر دور الأردنيين على احتضان وحماية المناضلين السوريين والفلسطينيين في قتالهم للاستعمار الفرنسي لسورية، وللانتداب البريطاني ومشروعه الصهيوني في فلسطين، وإنما تجاوز ذلك إلى الالتحاق بالثورة السورية الكبرى، التي انطلقت في تموز 1925، في وجه الاحتلال الفرنسي، فشكلوا الفرق المقاتلة، وغدت المناطق الشمالية في شرقي الأردن قواعد لانطلاق المقاتلين السوريين والأردنيين وسط صعوبات فرضتها طبيعة التحالف بين النظام وبريطانيا، والمصالح المشتركة للاستعمارين البريطاني والفرنسي في مواجهة حركة التحرر القومي العربية.
بينما لم يتوقف نضال الأردنيين ضد مشاريع الانتداب البريطاني على فلسطين وسياساته الرامية إلى توفير الشروط الضرورية لقيام الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين على النضال السياسي والاحتجاج والمؤتمرات، وإنما تجاوز ذلك إلى الكفاح المسلح المشترك مع الشعب الفلسطيني. فمنذ نهاية عام 1919، شاركت مجموعات ثورية مقاتلة في مختلف نواحي (بن عبيد، والكورة، والوسطية، والسرو، والكفارات) في الشمال الأردني، إضافة إلى مناطق الوسط والجنوب، بقيادة القائد الوطني أمير اللواء علي خلقي الشرايري في إربد، وأديب وهبه في السلط، في إشعال ثورة مسلحة هاجمت المعسكرات الفرنسية من جهة، والمستعمرات الصهيونية (في المطلة وتل حي والحراء وكفر جلعاد) من جهة ثانية. وظل الأردنيون يشاركون في النضال الفلسطيني بكافة أشكاله بعد تأسيس دولة الإمارة طيلة عقد العشرينيات، في وجه قمع السلطة وضباطها البريطانيين للحركة الجماهيرية. فشارك الأردنيون في المؤتمرات الفلسطينية التي كانت تعقد في وجه الانتداب وسياساته، وضد الاستيطان الصهيوني، إلى جانب ممثلي حركة التحرر العربية في بلاد الشام، وفي المظاهرات التي كانت تخرج في المدن الفلسطينية، حيث عمت المظاهرات عمان والسلط وإربد، وباقي مناطق البلاد، تأييداً للإضراب العام في فلسطين ، وصولاً إلى المشاركة المسلحة في الثورة الفلسطينية 1936 – 1939. إذ دعى حزب اللجنة التنفيذية، الذي انبثق على المؤتمرات الوطنية، إلى عقد مؤتمر وطني في "أم العمد" في 7 حزيران 1936 وكان من أبرز قراراته خوض الكفاح المسلح إلى جانب الشعب الفلسطيني.
ووسط تضامن شعبي عارم تبدى في الحماس للتطوع في صفوف المقاتلين وفي المظاهرات وجمع التبرعات في مختلف أرجاء الأردن، تأييداً ودعماً لكفاح الشعب العربي في فلسطين، أصبح الشمال الأردني الطريق الآمن لنقل مختلف أنواع الأسلحة والذخائر والمؤن من سورية والعراق وشرقي الأردن إلى فلسطين.
وعندما تجددت الثورة الفلسطينية في تشرين الأول 1937 بعد خمود مؤقت، شددت السلطات المحلية والبريطانية في شرقي الأردن من إجراءاتها القمعية، غير أن هذه الإجراءات لم تثن الشعب الأردني ومؤسساته الوطنية عن مواصلة مشاركة الشعب الفلسطيني كفاحه المسلح، فاندلعت الثورات المحلية، خاصة في إقليم عجلون، فهاجم الثوار أنابيب النفط ونسفوها، وزرعوا الألغام في الطرق التي سلكتها قوات النظام وقوات قائد الجيش، بيك باشا، لتعقب المناضلين الأردنيين والسوريين والعراقيين، في محاولة لمنعهم من المشاركة في الثورة.
ومع أنه من غير المتاح التوسع في تفاصيل هذا الدور الوطني ذي البعد القومي في النضال السوري العام ضد الإمبريالية والصهيونية وأدواتها المحلية بسبب الحدود الزمنية للمرحلة التي نتحدث عنها، إلا أنه لا بد من الإشارة هنا إلى بطولات الأردنيين في الدفاع عن فلسطين في معارك باب الواد واللطرون والقدس وغيرها من معارك فلسطين، واستبسالهم في  الخروج على أوامر قيادة الجيش البريطانية وتواطؤ السلطة السياسية، من أجل دعم كفاح الشعب الفلسطيني وتزويده بالسلاح قبل حرب 1948، وخوض غمار الحرب وسط حصار استعماري ورسمي شرس لم يترك لهم سوى لحمهم الحي وإرادتهم الشجاعة يواجهون بهما المؤامرة الإمبريالية- الصهيونية وأدواتها العربية المحلية، وهي الصورة التي تكررت في معركة الكرامة، عقب ذلك بعشرين سنة، عندما انفلت الأردنيون من قبضة وسطوة القيادة السياسية عقب هزيمة حزيران 1967، ليلقنوا، مع رديفهم الفلسطيني المقاوم، الغازي الإسرائيلي درساً لا ينساه.
هل لكل هذا علاقة بوظيفة النظام الأردني الأمنية- السياسية التاريخية ضمن التقسيم الإمبريالي للعمل في المنطقة؟
لا يحتمل البحث إيراد الكثير من الأمثلة على هذا الدور، والتوسع في تفاصيله، ولكن تكفي الإشارة إلى التدخلات العسكرية والأمنية والسياسية الأردنية، التي أعقبت انقلاب 1957 ضد حكومة سليمان النابلسي الوطنية وما أعقبها من حملة شرسة لتصفية الحركة الوطنية الأردنية وأحزابها وضباطها الأحرار، في اليمن أواسط الستينيات وظفار والبحرين أواسط السبعينيات وثورة جهيمان السعودية وسورية إلى جانب الإخوان المسلمين أواخر السبعينيات، وأفغانستان والعراق وليبيا والبحرين مؤخراً، دليلاً على استمرارية هذا الدور، وعلى منهجيته وعضويته.
أما عقب نكبة فلسطين في 1948، فتكفل النظام الأردني بضم الأراضي الفلسيطينية التي عرفت فيما بعد بالضفة الغربية بالتفاهم والترتيب مع بريطانيا والحركة الصهيونية، وبمساعدة من بعض الزعامات الفلسطينية ذات الارتباط التاريخي بالانتداب البريطاني. وبغض النظر عن الوشائج التاريخية للشعبين التوأمين، فإن الغاية من ذلك كانت الحيلولة دون ممارسة الفلسطينيين حق تقرير المصير ووضعهم تحت الوصاية السياسية الأردنية، وتسهيل استيعاب أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين الذين يشردهم قيام الكيان الصهيوني، تمهيداً للإجهاز على هويتهم الوطنية وضمن سياسة منهجية تفضي، في نهاية المطاف إلى أردنتهم قسراً، مستخدماً في ذلك العصا لمن يعمل على ممارسة حق العودة، والجزرة لمن يبحث عن الحلول الشخصية لقضيته الوطنية.
بيد أن للتاريخ قوانينه الصارمة. وهذه الوحدة بين ضفتي الأردن، وما ترتب عليها من حقائق مادية وقانونية واجتماعية وسياسية، قد أنجبت حركة وطنية عظيمة أسقطت حلف بغداد ومشروع أيزنهاور، وألغت المعاهدة الأردنية - البريطانية وطردت الضباط الإنجليز من الأردن، بنضالاتها في شوارع عمان ونابلس وإربد وجنين وجميع مدن الدولة الوليدة، وأرست حقائق لا يمكن إلغاؤها، بالعودة إلى بداية الحكاية، وإنما بالتدخل الثوري الذي يقرأ الضرورة التاريخية جيداً ويبني عليها مقتضاها. وليس أمام الأردنيين والفلسطينيين اليوم إلا إدراك الصورة بمجملها، ضمن حراكها الأردني، والعربي، والعالمي، وبحسب قوانين الجدل التي تحكم هذا الحراك، ليصنعوا مستقبلهم بتلاحمهم وبأيدهم.
فاليوم، وببساطة، من الواضح أن الوظيفة التاريخية للنظام الأردني، الذي ألحق قسطاً هائلاً من الأردنيين بالمصالح المترتبة على دوره من خلال تغول الدولة الأردنية ووظيفتها على المجتمع، هذه الوظيفة قد غدت في مهب الريح. فالأزمة التي يعاني منها النظام الإمبريالي العالمي، وبالنتيجة النظام الرأسمالي برمته، لا تبدو قابلة للحل عن طريق الحروب على غرار ما حدث أيام "الكساد العظيم" في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، بل على العكس من ذلك، وبالتالي فإن الدور الجيوسياسي للدولة الأردنية، ورغم أنه ما زال ضرورياً، لم يعد قابلاً للإعالة، لأن الإمبريالية، وهي تسعى إلى الاستيلاء عل مقدرات العالم، ونفطه على وجه الخصوص، علّ ذلك يوقف انهيارها، لن تترك حتى الفتات للقطاع الخدمي في جغرافيتها السياسية. وعلى الأردن أن يقدِّم خدماته الأمنية والسياسية مجاناً، أو يكاد، بعد أن بيعت كل أصوله الثابتة تقريباً، ابتداء من أراضي العقبة، مروراً بالماء والهواء والثروات المعدنية والمشاريع المنتجة، وليس انتهاء بخدماته الأمنية والعسكرية والاستخبارية واللوجستية القابلة للتسويق في المنطقة، بما في ذلك أن يصبح الأردن، وبحسب التقارير الإخبارية، معقلاً "لبلاك ووتر" سيئة الصيت، وبما يعنيه ذلك من انتقال من دور "المقاول من الباطن" إلى السمسرة لدى مقاولين من الباطن.
فهل يكفي هذا الدور لإعالة مجتمع دُمرت فيه كل سبل الإنتاج، وغدا يعيش على الريع الذي يدره دور لم يعد مجدياً وسط تزاحم الأولويات لدى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، والجنون المنفلت من عقاله الذي غدا السمة الملازمة لتداعي الديناصور الإمبريالي، ومحاولته، بالضرورة، تدمير العالم والانتقال به كلياً إلى تخوم الهمجية في معركته من أجل الحفاظ على بقائه؟
أمام هذه الصورة، وفي عصر الفوضى الأمريكية الخلاقة، الذي التحق به عربان القرن الحادي والعشرين بلا خجل أو قناع، وبخاصة نواطير النفط؛ وأمام أزمة الصهيونية في إسرائيل الناجمة عن اختلال موازين القوى في المنطقة في غير صالحها، ومحاولتها الخروج من مأزقها السكاني الداهم ونهوض قوى المقاومة وصحوة الجماهير العربية، لا يبقى أمام السيد الأميركي وتابعه الصهيوني، سوى إعلان الأردن دولة للفلسطينيين، علّ ذلك يخلط الأوراق لبعض الوقت.
وهذا لا يلقى هوى، لا لدى الجماهير الفلسطينية، وكل ما عليكم هو الذهاب إلى المخيمات الفلسطينية، وتحسس نبضها في هذا الصدد. ولا يلقى هوى، كذلك، لدى الأردنيين قبل سواهم. فمن ذا الذي سيقيم دولة الفلسطينيين في الأردن؟
أيها السادة، أيتها السيدات،
هذه هي وصفة الفوضى الخلاقة الأردنية. وما يراد لنا هو الغرق في الحديث المبتذل عن حروب السنة والشيعة والعلويين، وحروب العرب مع الفرس والأكراد، وحروب المسلمينة والأقباط، وحروب الشرق الليبي مع الغرب الليبي، وليس أقلها حروب الأردنيين مع الفلسطينيين، الوصفة الجاهزة لدمار الأردن، لا للوطن البديل.
هل يستطيع النظام مواجهة هذه المخاطر، التي لا تخدم مصالحه بالتأكيد، وإن كان يميل إلى استخدامها عندما تقتضي الحاجة ذلك؟ إن هذا يتطلب أن يخرج النظام من تاريخه ومن جلده. وبالنسبة لي، لم أر نظاماً في التاريخ أوغل إلى هذا الحد في العبودية لإملاءات الإمبريالية وخرج من جلده وتاريخه... فما العمل؟
أيها الفلسطينيون، أيها الأردنيون
هذا وطنكم بين أيديكم فاحموه. دافعوا عنه بأن لا تكونوا، أولاً وقبل كل شيء، أداة لتدميره من حيث تدرون أو لا تدرون. والغد يمكن أن يكون مشرقاً.
بالنضال حتى ينصهر الأردن في أتون معسكر عربي مقاوم يوقف حلف الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية عند حده، وينتقل إلى تحرير الأوطان من كل تبعية، ويلغي المعاهدات والشراك التي نسجها هذا الحلف، على طريق تحرير الأرض الفلسطينية، وهذا ممكن، وتقرير الشعب الفلسطيني المناضل مصيره على أرض وطنه. وإلى حين ذلك، فكل أوطان العُرب وطن للفلسطينيين، وكل الشعوب العربية مدعوة  إلى الدخول في التاريخ، لا أن تبقى على هامشه.